فوزي آل سيف
35
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
معه إلا بمقدار ما تضطرهم الظروف! وأي تعاسة يعيشها من يبتلى بالمعيشة معه كزوجته[69]، وأبنائه، وشركائه في العمل؟ وبشكل مؤقت حتى يصلح الإنسان هذا حاله، ويصل إلى مرحلة: (وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً) فإن أفضل ما يقول به هو الصمت قدر الامكان، كما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخَرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُت" وما دام غير قادر على الخيار الأول (يقول خيرا) فليلجأ للخيار الثاني.. وبالنسبة لمن يسمع منه الكلام الفاحش فإن الموقف المثالي هو الحلم عنه وعدم الرد عليه، فـ" الحِلْمَ فِدَامُ[70] السَّفِيهِ" كما ورد عن أمير المؤمنين علي عليه السلام فكأنّ الصمت والحلم، وعدم الرد، يجعل أمام السفيه حاجزا عن الاستمرار. 3/ ومن النتائج السيئة للسان البذيء: إيذاء المسلم. فالإيذاء على أقسام: فقد يكون الإيذاء بالضرب، وقد يكون بالجرح وإخراج الدم، وقد يكون باللسان. وقد ورد في الشعر العربي: ولا يلتام ما جرح اللسان. هذه الجروح العادية قد تحتاج لثلاثة أيام، حتى تبرأ وتشفى. لكن إذا اعتدى أحدهم على إنسان اعتداء لفظيا، وأفحش له القول، وشتمه، وسبه، فمن الممكن أن يبقى ولفترة طويلة من الزمان، يؤثر في نفس ذلك المعتدى عليه. وهذا من مصاديق إيذاء المؤمن والمسلم، وهو حرام. يقول ربنا سبحانه وتعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا).[71] إن بعض الكلمات يكون إيذاؤها أعظم من لطمة عين وصفعة خد. ولذلك يقول سيدنا أمير المؤمنين عليه السلام: "إِيَّاكَ وَمُسْتَهْجَنُ الكَلَامِ، فَإِنَّهُ يُوغِرُ القَلْبَ"[72]. يعني يشعلها من الغيظ ويملأها حقدا وكراهية. 4/ ومن نتائج التعود على البذاءة؛ اللامبالاة حتى لو وصلت البذاءة إلى الرب ودينه! ربما يرى الإنسان في بعض الأماكن والأشخاص أنه إذا تعود على فاحش من القول في الناس، فلا يتوقف عند هذا. بل يصل الأمر إلى سب الله عز وجل. وسب الدين، بكلمات يقشعر لها بدن الإنسان. هذه لم تأت ليومها، وإنما بدأ صاحبها بالبذاءة والسباب لشخص، فاستمرأ بذيء اللسان هذا الشيء، ثم تمادى وأصبحت طبيعة عنده، حيث لم يقف أحد أمامه، ولم يُفهمه أحد أن هذا شيء يهز شخصيتك ويحطم ذاتيتك. حتى بالتدريج وصل إلى سب الدين، وبعد ذلك إلى سب ربه الذي أنعم عليه بوجوده. أما لو كان في أول استعمال له لهذا اللسان في غير ما أُعد له، ولو تم الاعتراض عليه في أول جفاء وفحش في القول، ولم يقبل تبريره لفعله ذاك، لكان لا يتمادى! نتذكر هنا ما فعله الامام الصادق مع ذلك الذي شتم غلامه وعبده حينما تأخر عليه بقوله: يا ابن الفاعلة.. فغضب منه الامام وبين له خطأه وهجره على أثر ذلك. وكذلك فعل الامام عليه السلام مع سماعة بن مهران وهو أحد أصحابه، ولنترك صاحب القصة ينقلها لنا كما وردت في الكافي عن سماعة، قال دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ عليه السلام فَقَالَ لِي مُبْتَدِئًا:
--> 69 ) لاحظ بعض هذه الزوجات تتحدث عن أنها بعد معيشة خمس وعشرين سنة، لا تستطيع أن تتحمل أكثر! وتطلب الطلاق مع أن لديها من ذلك الزوج أولادا! فهي تجد في كل كلمة سوطا يقرعها به! وبعضهن يرين الطلاق وهو أسوأ الخيارات أحسن من الاستمرار معه! وأحيانا يكون العكس عندما يرى الزوج نفسه مضطرا لطلاقها مع كبر سنها! للفكاك من لسانها السليط. 70 ( فدام يعني: كمامة والفدام يستعمله المجوس عندما يتعبدون أمام النار التي يقدسونها فيجعلون على فمهم مثل الكمام الذي يستخدمه الأطباء لكيلا يخرج من أنفاسهم شيء سيء، فيفسد قداسة النار! كما يعتقدون. 71 الأحزاب: 58 72 ميزان الحكمة 3/ 2735